الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
488
تفسير روح البيان
العيون ذكر في سبب نزول قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ان عيرا لأبي جهل قدمت من الشام بمال عظيم وهي سبع قوافل ورسول اللّه وأصحابه ينظرون إليها وأكثر أصحابه بهم عرى وجوع فخطر ببال النبي عليه السلام شئ لحاجة أصحابه فنزلت اى أعطيناك سبعا من المثاني مكان سبع قوافل فلا تنظر لما أعطيناه لأبي جهل وهو متاع الدنيا الدنية ولا تحزن على أصحابك واخفض جناحك لهم فان تواضعك لهم أطيب لقلوبهم من ظفرهم بما يحب من أسباب الدنيا ففي زوائد الجامع الصغير ( لو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان والقرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات ) وفي لفظ ( فاتحة الكتاب شفاء من كل داء ) ذكر في خواص القرآن انه إذا كتبت الفاتحة في اناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل وجه المريض بها عوفي بإذن اللّه تعالى وإذا كتبت بمسك في اناء زجاج ومحيت بماء الورد وشرب ذلك الماء البليد الذهن الذي لا يحفظ سبعة أيام زالت بلادته وحفظ ما يسمع والإشارة قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وهو الإنسان الكامل وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً هي سبع صفات ذاتية للّه تبارك وتعالى السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة مِنَ الْمَثانِي اى من خصوصية المثاني وهي المظهرية والمظهرية لذاته وصفاته مختصة بالإنسان فان غير الإنسان لم توجد له المظهرية ولو كان ملكا ومن هاهنا يكشف سر من اسرار وعلم آدم الأسماء كلها فمنها أسماء صفات اللّه وذاته لان آدم كان مظهرها ومظهرها وكان الملك مظهر بعض صفاته ولم يكن مظهرا ولذا قال تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ولهذا السر اسجد اللّه الملائكة لآدم عليه السلام وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ اى حقائقه القائمة بذاته تعالى وخلقا من أخلاقه القديمة بان جعل القرآن العظيم خلقه العظيم كما قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ولما سئلت عائشة رضى اللّه عنها عن خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت كان خلقه القرآن وفي قوله لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ إشارة إلى أن اللّه تعالى إذا أنعم على عبده ونبيه بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ان لا يمد عينيه لا عين الجسماني ولا عين الروحاني إلى ما متع اللّه به أزواجا من الدنيا والآخرة منهم اى من أهلها وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ اى على ما فاته من مشاركتهم فيها كما كان حالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج إذ يغشى السدرة ما يغشى من نعيم الدارين ما زاغ البصر برؤيتها وما طغى بالميل إليها ثم قال وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في هذا المقام قياما بأداء تشكر نعم اللّه وتواضعا له لنزيدك بهما في النعمة والرفعة وفيه معنى آخر واخفض بعد وصولك إلى مقام المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين لتبلغهم على جناح همتك العالية إلى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ كما في التأويلات النجمية كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ هو من قول اللّه تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام متعلق بقوله ولقد آتيناك لأنه بمعنى أنزلنا اى أنزلنا عليك سبعا من المثاني والقرآن العظيم